أحمد بن علي القلقشندي
382
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأما جوامعه فستة : الأول الجامع العتيق المعروف بجامع عمرو ( 1 ) وذلك أن عمرا لما بني داره الصغرى مكان فسطاطه على ما تقدّم ذكره ، اختط الجامع المذكور في خطَّة أهل الراية المتقدّمة الذكر . قال القضاعيّ : وكان جنانا فيما ذكر الليث بن سعد ( 2 ) . قال : وكان الذي حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التّجيبيّ أحد بني سوم ، فنزله في حصار الحصن المعروف بقصر الشّمع ، فلما رجع عمرو من الإسكندرية ، سأل قيسبة فيه ليجعله مسجدا فسلمه إليه ، وقال : تصدّقت به على المسلمين ، واختط له خطَّة مع قومه في بني سوم في تجيب ( 3 ) ؛ فبني في سنة إحدى وعشرين ، وكان طوله خمسين ذراعا في عرض ثلاثين ذراعا ، ويقال : إنه وقف على قبلته ثمانون رجلا من الصحابة رضوان اللَّه عليهم : منهم الزّبير بن العوّام ، والمقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصّامت ، وأبو الدّرداء ، وأبو ذرّ الغفاريّ ، وأبو بصرة الغفاريّ وغيرهم ؛ ولم يكن له يومئذ محراب مجوّف بل عمد قائمة بصدر الجدار ، وكان له بابان يقابلان دار عمرو بن العاص ، وبابان في بحريّه ، وبابان في غربيّه ، وطوله من قبليّه إلى بحريّه ( 4 ) مثل
--> ( 1 ) وهو المسجد المشهور « بتاج الجوامع » . وقد أسهب ابن دقماق في وصفه والكلام عليه ( الانتصار 4 / من 59 إلى 74 ) . وفي العهد الفاطمي كان هذا الجامع إلى جانب الأزهر مصدر نور وعرفان وكانت حلقات العلم تعقد في هذا الجامع في مختلف فروع الثقافة المعروفة . وقال المقريزي أنه كان يدرّس فيه ، إلى جانب الفقه المالكي والشافعي ، الفقه الشيعي وذلك في عصر الفاطميين . ( الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام : ص 11 - 12 ) . ( 2 ) وهو إمام أهل مصر في عصره حديثا وفقها . ولد بقلقشندة سنة 94 ه . وتوفي بالقاهرة سنة 175 ه . ( الأعلام : 5 / 248 ) . ( 3 ) خطة تجيب في الفسطاط . وتجيب : بطن من كندة وهو : أشرس بن شبيب بن السكون بن كندة . ( معجم البلدان : 2 / 16 ؛ والانتصار : 3 / 4 ؛ ومعجم قبائل العرب : 1 / 116 ) . ( 4 ) في الانتصار : « وكان طوله من القبلة إلى الغرب مثل طول دار عمرو » .